Accueil » Ils-elles écrivent » Chafika Habti

Chafika Habti

شفيقة الهبطي المواهبي تكتب :

ياأبتي

هي العشر الأواخر من رمضان يا أبي…
استبد بي الشوق إليك…و سكنني طيفك أكثر…مع أنه لم يفارقني يوما
أينما وجهت و جهي أراك…عن يميني و عن شمالي و أمامي….و تعصرني الرغبة في أن أمد يدي لألمسك، أن أضمك و أن أحتمي من الدنيا بذراعيك….وأسند رأسي المتعب و المثقل على صدرك المطمئن
أراك راجعا من المسجد بعد صلاة العصر و درسه….صاعدا إلى مكتبك..ولكنك لا تلبث أن تنزل لتجمعنا حولك قاصا علينا كل ما حدث معك في نهارك…تنتفض ماما ‘ » واش هادشي دابا…خليهم يعاونوني فالفطور »….تبتسم و نأبى إلا أن تكمل….وتكمل…
كانت لحظات لدروس حياة بامتياز…
لم يكن كلامك لغوا و لا تزجية وقت. كان دروسا و حكما بليغة….و تجربة…..ونناقشك….ونناقشك….ونشق عليك….وتجيب بكل رحابة صدر….و تنبري ماما من المطبخ: خي فيك…..دصرتيهم عليك….
كنت تمج كل مظاهر الغلو في الاستهلاك خلال رمضان… الشراهة في كل شئ…في الأكل و في التدين الموسمي…
كان كلامك، عملك، حركاتك، سكناتك، لينك، غضبك، كل شئ كنت تأتيه كان لقمانيا. ولم تكن تفتأ تردد: اصبروا و صابروا، إن ذلك من عزم الأمور، لا تصعروا خدكم للناس و لاتمشوا في الأرض مرحا…
كنت لقمانيا، حتى أنك هممت أن تسمي أحد أبنائك لقمان. فثارت ثائرة جدتي لأمي، نسيبتك، مستهجنة الاسم و مرددة واش بغيتي يبقاو يعيطولو فالزنقة  » اللقمة »….ورغم كل شروحاتك تمسكت برأيها و هي الصحراوية البسيطة و لكن العنيدة…وهددت إن فعلت فلن تحضر سبوعه….فعدلت عن ذلك و أنت الفقية العالم…و أسميته أبو الثناء عبد الحكيم…..فلم تكن فظا و لا غليظ قلب و لا معجبا بنفسك….
لله درك يا شيخ!! كان دينك سمحا، نقيا، صرحا ممردا من قوارير….
أبي هي العشر الأواخر من رمضان و هو يوم 16 ماي، يوم أدمى الإرهاب سنة 2003 قلب الوطن و وجهه….
كلما حل هذا اليوم إلا و عشته كعد عكسي لتاريخ استشهادك في التاسع عشر من يوليوز من نفس السنة…
جلت المغرب بعد الأحداث رفقة علماء لتعرفوا بالدين الحنيف…و لتحصنوا إيمان الناس من عطن التطرف و نخره لحياة الانسان و تخريبه لأمة الإسلام…
وكانت الحادثة المميتة….على الساعة السابعة صباحا.. وانت في طريقك إلى وزان لإعطاء آخر محاضرة كانت قد برمجت في ذاك الإطار….
كان يوم سبت….ويوم الخميس الذي كان قبله تسألك أختي ريحان، و قد كان الأرهاب، في تلك السنوات، أصبح روتين الناس، أبي هؤلاء الذين يفجرون أنفسهم، أيشعرون بسكرات الموت؟؟؟ لترد أنت ضاحكا: كي غيحس أبنتي و هو طق أو مات » و لتستطرد..جادا.لكني انا أحسها في صدري يا ابنتي….وتحتج ريحان و تصر انت قائلا: هو إحساس المؤمن.
لهفي عليك أبي ……
كان يوم سبت ياأبتي كأنه اليوم…وكنت أنا خارج المغرب…ليرن الهاتف على الساعة العاشرة صباحا و يأتيني صوت أختي ختام هادئا: بابا الله يرحمو….
أحسست لحظتها أن فؤادي أصبح فارغا…..
ذهبت عن الدنيا و أهلها….ولم تذهب عني بل استوطنت قلبي و جوارحي…
رحمك الله بي وأسكنك فسيح جناته و أنار ظلمة قبرك وآنس وحشته وجعل لك بكل كلمة علمتها في سبيله مغفرة ورحمة .
يقال إن رثاء الأب دين….
هو دين لم أف به لحد اليوم من هول ما أحس و كلما هممت بالأمر. ……ربما يوما ما …
شفيقة الهبطي المواهبي من المغرب / 16 ماي 2020